عبد الله بن محمد البطليوسي
429
الإقتضاب في شرح أدب الكتاب
ومعنى شكواها بعينها أن السفر لما طال عليها غارت عيناها ، وانكسر طرفها ، وصار النعاس يغالبها على ظهر المطية ، فجعل ذلك كالشكوى ، لأنه دليل على ما تكابده وتقاسيه . ويروى : « ما أكلّت » فمن ذكّر الضمير ، أراد السير الذي أكلّ بها . ومن أنّث أراد الحال التي أكلّت ركابها ، أو المشقة . وجاز ذلك ، لأن ما تقع للمذكر والمؤنث بلفظ واحد ، وإنما يعلم مكانها من التذكير والتأنيث بضميرها العائد إليها ، أو بغيره مما يدل عليه فحوى الكلام . وقد قال بعض أصحاب المعاني إنه يصف ناقة ، وذلك غلط ، والدليل على أنه يصف امرأة قوله قبل « 1 » هذا البيت : ألا أدلجت ليلاك من غير مدلج * هوى نفسها إذ أدلجت لم تعرّج وكيف أرجّيها وقد حال دونها * بنو الهون من جسر ورهط ابن حندج تحلّ الشّجا أو تجعل الرمل دونه * وأهلي بأطراف اللّوى فالموتّج وموضع ما نصب بتشكو . وقيل معطوف على ما ، وكذلك من روى « وقال » . والمنادى مخفوض بإضافة القيل والقال إليه ، وأصبح هاهنا : لا خبر لها لأن معناها : دخلوا في الصباح ، ولم تدخل على جملة فيلزم أن يكون لها خبر ، إنما هي بمنزلة قولهم : أظلم القوم : إذا دخلوا في الظلام ، وأمسوا : إذا دخلوا في المساء ، وما في هذا البيت هي الموصولة الجارية مجرى الذي ، ولا يجوز أن تكون المصدرية ، أعني التي تأتي بمعنى المصدر ، كقولك : أعجبني ما صنعت ، أي أعجبني صنعك ، كأنه قال : إكلال ركابها ، وإنما لم يجز ذلك لأن في أكلّ ضميرا يرجع إليها ، وما المصدرية حرف لا يعود إليها من صلتها ضمير ، كما لا يعود إلى أن الموصولة إذا قلت : أعجبني أن تقوم . وأنشد ابن قتيبة « 2 » : [ من الوافر ] ( 17 ) هجوت محمّدا وأجبت عنه وعند اللّه في ذاك الجزاء فإنّ أبي ووالده وعرضي لعرض محمّد منكم وقاء
--> ( 1 ) الأصوب أن يقول « بعد » لأن الأبيات التالية هي بعد البيت المستشهد به ، وهي في ديوانه ص 78 ، 79 . ( 2 ) البيتان لحسان بن ثابت في أدب الكاتب ص 32 ، وشرح الجواليقي ص 139 ، والأغاني 4 / 139 ، وديوانه ص 64 ، والأول في مقاييس اللغة 4 / 273 ، والثاني في اللسان 7 / 170 ، 171 ( عرض ) ، والتاج 18 / 395 ( عرض ) ، والأغاني 4 / 164 .